نواكشوط

بينما يترقب الموريتانيون “فجر الغاز” القادم من أعماق المحيط الأطلسي، تهب رياح السموم من المشرق العربي، حاملةً معها نذر مواجهة شاملة بين “المثلث الملتهب”: إيران، إسرائيل، والولايات المتحدة. هذه المواجهة التي لم تعد مجرد عناوين في نشرات الأخبار، باتت تلقي بظلالها الثقيلة على مائدة المواطن الموريتاني، وتضع استراتيجية الطاقة الوطنية في عين العاصفة.
أزمة الطاقة: الجرح النازف والوعود المؤجلة
تعيش موريتانيا اليوم مفارقة عجيبة؛ ففي الوقت الذي تتحدث فيه الأرقام الرسمية عن قفزة مرتقبة في صادرات الغاز المسال من حقل “السلحفاة أحميم الكبير” لتتجاوز 3 ملايين طن في 2026، ما تزال المدن الموريتانية، من “كيهيدي” إلى “نواذيبو”، تعاني من اضطرابات في التموين بالمحروقات وتقنين للكهرباء.

لقد كشفت التطورات الأخيرة أن “الأمن الطاقوي” الموريتاني ما يزال هشاً أمام التقلبات العالمية. فالحكومة التي تتحمل فاتورة باهظة لدعم المحروقات (تجاوزت 17 مليار أوقية مؤخراً)، تجد نفسها اليوم مجبرة على موازنة صعبة بين امتصاص غضب الشارع من جهة، ومواجهة الارتفاع الجنوني في الأسعار العالمية الناتج عن التوترات الجيوسياسية من جهة أخرى.
زلزال “طهران – تل أبيب”: الارتدادات تصل شواطئ الأطلسي
لا يمكن فصل “طابور الوقود” في نواكشوط عن “أزيز الصواريخ” في سماء المنطقة. فالتصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل، بدعم أمريكي مباشر، أدى إلى ارتباك سلاسل الإمداد العالمية. وبالنسبة لموريتانيا، تتلخص التداعيات في ثلاث نقاط قاتلة:
كل تهديد بإغلاق مضيق هرمز أو ضرب المنشآت النفطية الإيرانية يرفع أسعار الخام عالمياً، مما يثقل كاهل الخزينة الموريتانية ويؤدي حتماً لزيادة أسعار “المازوت” والغاز المنزلي.
أزمة الأسمدة والأمن الغذائي: الحرب أدت لارتفاع أسعار الأسمدة بنحو 40%، وهو ما يهدد الموسم الزراعي في الضفة، ويضع البلاد أمام تحدي “الخبز” قبل “الطاقة
توجس الاستثمارات: رغم تأكيدات الشركاء مثل “بي بي” و”كوزموس”، إلا أن حالة “عدم اليقين” العالمية قد تبطئ قرارات الاستثمار النهائي في حقول واعدة مثل “بير الله”، حيث يفضل رأس المال العالمي الهروب إلى مناطق أكثر استقراراً.
حقل السلحفاة.. قارب نجاة أم هدف مؤجل؟
يعلق الموريتانيون آمالاً عريضة على عام 2026، حيث وصلت السفينة العائمة للإسالة والتخزين (FLNG) إلى طاقتها الكاملة. ولكن، هل يكفي تصدير الغاز لتوفير الرفاهية؟
يرى مراقبون في نواكشوط أن الأزمة الحالية ليست أزمة “ندرة موارد” بقدر ما هي أزمة “بنية تحتية” وقدرة على المناورة في سوق دولي مضطرب. فالغاز الموريتاني الذي يطرق أبواب الأسواق الأوروبية (كبديل للغاز الروسي) قد يجد نفسه رهينة لصراعات القوى العظمى التي تعيد رسم خارطة الطاقة العالمية فوق أنقاض المدن المحترقة في الشرق الأوسط.
بينما تنشغل الصالونات السياسية في نواكشوط بالجدل حول الموقف من الصراع الإيراني-الأمريكي، يبقى السؤال الأهم فوق طاولة الحكومة: كيف نحمي “حلم الغاز” من الاحتراق بنار غيرنا؟
إن التحول إلى بلد مصدر للغاز ليس “صك غفران” من الأزمات الاقتصادية، بل هو مسؤولية مضاعفة تتطلب بناء مخزون استراتيجي حقيقي وتنويع مصادر الطاقة (شمسية ورياح) لتقليل الارتباط بالخارج. فالنار التي تشتعل في طهران، قد لا تحرق أصابعنا مباشرة، لكن دخانها كفيل بخنق طموحاتنا التنموية إذا لم نحسن توجيه الدفة.
بقلم محمد محمود صحفي موريتاني
